“بين منطوق لم يُقصَد، ومقصود لم يُنطَق، تضيع الكثير من المحبة”

جبران خليل جبران

 

في نهاية يوم دراسي. “ج” في حوض الاستحمام وأنا أُحضر فرشاة أسنانها على المغسلة. أُلاحظ أنها تضع من ماء الحوض في فمها.

ج”، ماذا تفعلين؟ الماء وسخ”-

!أنا ما أشربه بس أتمضمض فيه-

لا تفعلي ذلك، الماي وسخ-

..ماما بس-

لا تتمضمضين فيه قلت لك-

ماما اسمعيني، خليني أتكلم-

تفضلي –

(نفس عميق)

ماما، بس أنا لما أغسل أسناني أتمضمض بهذا الماي-

-لاحبيبتي، لما تغسلين أسنانك تستعملين الماي من الحنفيه، مش من البانيو. ماي البانيو وسخ لأنه فيه صابون وكل الجراثيم اللي كانت في جسمك نزلت فيه

اوووه، الحين عرفت-

========================================

يمكن لأي أب أو أم أن يتخيل كيف كان لموقف كهذا أن يتطور بسهولة إلى مشكلة، وربما نوبة صراخ وبكاء كختام درامي ليوم طويل ومرهق. وهذا ماكان يمكن أن يحدث معنا أيضا لو لم تُطالب “ج” بحقها في الكلام، ولو أني لم أنصت!

الكثير من التوتر في علاقاتنا مع أبنائنا ينتج من سوء فهم. من مَنطوقٍ لم يُقصد أو مقصودٍ لم يُنطق.

بالنسبة لـ”ج”، الماء الذي يوجد في حوض الاستحمام هو نفسه الذي جاء من الحنفية. لطفلة في الرابعة يبدو أمرا منطقيا أن تستعمله بالطريقة نفسها. دوري أن أقدم لها السبب المنطقي الذي يجعله مختلفاً، ذلك طبعا بعد أن أفهم أولاً منطقها والطريقة التي ترى بها الأمور.

الكثير من الأمور التي نفترض أنها منطقيه، ليست كذلك بالنسبة لِصغارنا. عقولهم الصغيرة والمتعطشة للمعرفة مازالت تحاول اكتشاف العلاقات المعقدة التي تحكم عالمنا.

ومثلما تدهشهم كل الأمور التي توقفت عن ادهاشنا، فهم أيضا لا يفكرون تماما بنفس المنطق الذي نفكر فيه، وهذا قد يفتح أمامنا نحن الكبار عوالم واسعة من الدهشة، إن أنصتنا لهم.

إنهم لا يحاولون التمرد، وليسوا عنيدين، وليسوا أشقياء لا يسمعون الكلمة. إنهم فقط محتارون، ويحتاجون منا أن نشرح لهم العالم الذي يعيشون فيه.

في المقابل، فإننا في زحمة الحياة والتزاماتها، لا ننسى فقط الدهشة. بل ننسى معها أن نتوقف لننصت. تذكرني“ج” باستمرار بأهمية الانصات في مواقف مشابهة تتكرر كل يوم. تذكرني بأن أتمهل، أن آخذ نَفَساً وأسأل” السؤال التالي، وهذا ليس بالأمر السهل. ولكني حين أفعل ذلك فأنا لا أكسب حبها وثقتها فحسب، بل أبني مهارة تضيف لي رصيداً مهماً يفيدني في كل المواقف التي تمر في حياتي. مهارة تريني العالم بشكل أوضح، وتحميني من الانقياد لرد الفعل.

أولادنا، بكل الحب الذي نحمله لهم في قلوبنا، يمكن أن يكونوا أكبر معلمين لنا. ويمكن أن يكون هذا الحب الذي نحمله لهم دافعا لنصبح أفضل قليلا كل يوم. إن أنصتنا لهم يمكنهم أن يفتحوا لنا أبواب الدهشة. ويذكرونا بأن الكثير مما نعتقده ونفعله بحكم العادة، يمكن أن يكون على غير مايبدو.

عليّ في المقابل أن أعلم “ج” كيف تساعدني لأُنصت، لأن هذه مسؤليتها أيضا. مسؤوليتها أن تُطالب بحقها في أن تُسمع، وفي أن تُفهم. وغدا عندما تكبر ستكبر معها هذه المهارة. ستتعلم أن تقول رأيها بوضوح وشجاعة. لن تقف مستمعة بينما زملاؤها يقنعونها بسلوك لم تتربى عليه. لن تسمح لرئيسها في العمل أن يسلبها حقها في ابداء رأيها و احترامه. لن يفرض عليها أحد شيئا لم تقتنع به.

عندما لن أكون أنا معها لأُذكّرها، ستعرف بمفردها أن رأيها مهم، وأنها مهمة في هذا العالم. ستعرف كيف تحترم آراء الآخرين مثلما يحترمون رأيها، وأن تدافع عمن لاصوت لهم. ولن تكون أبدا سهلة الانقياد وراء السائد حين يخالف مبادئها.

أليس هذا مانريده جميعنا لأولادنا، عندما لانكون نحن إلى جانبهم لنوفر لهم الحماية؟

فلنعلمهم أن صوتهم مهم، أن رأيهم مهم. وأننا نحترمهم. هكذا فقط سيحترمون أنفسهم والآخرين من حولهم.

لا توجد في الواقع طريقة أخرى لتحقيق ذلك!