‏ماهو البديل للضرب؟

‏للأسف لا توجد إجابة سهلة وقصيرة وسريعة على هذا السؤال. ولكن المطمئن في الأمر هو أن هناك عالماً واسعاً من البدائل وليس فقط بديل واحد. تتطلب هذا البدائل أن نعيد التفكير في دورنا كآباء وأمهات، وأن نعيد تقييم علاقاتنا بأبنائنا. عندها فقط نستطيع بناء قدراتنا الذاتية ومعارفنا لتصميم البدائل المناسبة لنا ولهم.

‏حقائق عن العنف ضد الأطفال؟

· غالبا ما يعاني الآباء والأمهات الذين يلجئون للضرب أو وسائل التعنيف والحرمان الأخرى، من التوتر والضغط الشديدين. فـ ٥٠٪ من الآباء والأمهات الذين شاركوا في استبيانات حول هذا الموضوع قالوا أنهم استخدموا الأساليب العنيفة نتيجة فقدانهم السيطرة على أعصابهم، وعدم قدرتهم على توليد بدائل أخرى.

· الضرب تصرف انفعالي ناتج عن برمجة مسبقة. فـ ٧٣٪ من العينة قد تعرضوا للضرب وهم أطفال.

· الضرب مؤذي للأبناء والآباء على حد سواء. فقد شعرت ٤٥٪ من الأمهات اللواتي استخدمن الضرب بالندم بعد ذلك.

نحن نفترض أن القدرة على تنشئة طفل هي أمر فطري، لا يحتاج إلى تدريب وتطوير. ولكن هذا الافتراض غير سليم. فإذا نظرنا لتاريخ المجتمعات البشرية، سنجد أن البشر عاشوا دائما في مجتمعات متجانسة حيث توزعت مسؤولية رعاية الأطفال وتنشئتهم على عدد كبير من البالغين، مما قلل الضغوطات على الأبوين، وجعل انتقال مهارات التنشئة من جيل إلى آخر يحدث بشكل تلقائي وطبيعي. المجتمعات الحديثة للأسف، ونتيجة التحولات الكبيرة التي طرأت عليها والضغوط التي نعاني منها، لا تقدم نفس الدعم.

‏وكذلك فإن عقوداً من الأبحاث القاصرة في علم النفس، والتي افترضت أن الأطفال يجب أن تتم برمجتهم واستئناسهم كما تبرمج الحيوانات الأليفة، ولدت طروحات هدّامة وتقنيات تشجع على العنف الجسدي أو اللفظي، أو الحرمان النفسي والعاطفي. مثل: نظريات التدريب على النوم، والعقاب بالحرمان، والوقت المستقطع. أو تلك التي تشجع مايعرف بالتحفيز الايجابي والمكافآت كوسيلة لضبط السلوك، وهما وجهان لعملة واحدة تركز على ضبط السلوك من دون فهم دوافعه.

هناك ضوء في آخر النفق

لحسن الحظ فإن نتائج أبحاث علوم الدماغ الحديثة، قد قدمت لنا في السنوات العشر الأخيرة ثورة من المعلومات، التي أعادت الاعتبار إلى دور المشاعر وأهميتها في تشكيل شخصياتنا والطريقة التي نرى ونتفاعل بها مع العالم كبشر. إن الاكتشافات الحديثة حول مايسمى بالعقل العاطفي، مذهلة. وقد ألهمت الكثير من الاتجاهات الحالية في تنشئة الأطفال.

تخبرنا هذه الأبحاث أن ما نحتاج له هو تغيير جذري في طريقة تعاطينا مع أبنائنا. وليس فقط تغيير سطحي في الوسائل والأساليب التي تكون متشابهة في جوهرها وقائمة على فكرة الثواب والعقاب.

نحن كبشر لا يمكننا أن نتقبل أي نصح أو إرشاد من أي شخص مالم نشعر بأنه يفهمنا. هذه طبيعتنا الانسانية التي لا يمكننا نكرانها. وعليه فإن هدفنا يجب أن يكون تحقيق الانسجام بيننا وبين أبنائنا. حتى يثقوا بنا ونستطيع ارشادهم وتوجيههم، وألا ننشغل بالسيطرة الآنية على سلوكهم.

وهناك عدة مفاهيم يجب تغييرها لنصل إلى ذلك:

١. قللوا من “لا” قدر الإمكان

نسرف كثيرا كمربين في إعطاء الأوامر والنواهي، بشكل لا يترك لأبنائنا المساحة الكافية لممارسة الحياة! يحتاج الأطفال لمساحة من الحرية ليجربوا ويستكشفوا ويخطئوا حتى يكبروا بالغين واثقين من أنفسهم. طبعا هذا لا يعني أن نتخلى عن دورنا في حمايتهم من الخطر أو تهذيبهم. لكن من المهم أن نتذكر أن دورنا هو بناء قدرتهم على الضبط الذاتي، وهذا يأتي من خلال خلق مساحة آمنة للتجريب وبناء مهاراتهم الحياتية بأنفسهم، بينما نراقبهم بأعيننا المحبة والراعية.

في المرة القادمة التي يرفض فيها ابنكم أن يرتدي الملابس التي اخترتموها له، مثلا. اتركوه يرتدي مايشاء. قليل من التنازل لن يضر. بالعكس فإن تساهلكم معه في هذه اللحظة سيزيد فرصتكم في الحصول على تعاونه خلال اليوم.

قميص متسخ قليلاً أو قديم لن يشكل فرقاً، لكنه سيوفر عليكم استنزاف طاقتكم في أمر لن تتذكرونه بعد سنوات، لكن التوتر الذي سيحدثه التصادم قد يبقى معكم ومعه إلى وقت أطول بكثير. ولا تنسوا أنكم بإعطائه فرصة اتخاذ القرار ترفعون من رصيد تقدير الذات لديه.

٢. طفلك يرغب بالتعاون معك، لو استطاع

يرغب جميع الأطفال بأن يكونوا محبوبين، ويودون أن يتعاونوا معنا، لو استطاعوا. هذه حقيقة لا تحتمل الخطأ. ادراكنا لذلك سيمنحنا القدرة على استشفاف الصعوبات التي يواجهها أطفالنا عندما يفقدون قدرتهم على التعاون معنا، أو يظهرون سلوكيات سلبية. قد يكون ذلك بسبب افتقادهم لبعض المهارات، أو نتيجة للنقطة الأولى التي ذكرناها سابقا، فطلباتنا قد تكون غير منطقية أو غير مناسبة لأعمارهم الصغيرة أو أننا ببساطة قد أفرغنا رصيدنا معهم لهذا اليوم! ولكنهم بالتأكيد ليسوا شريرين، أو عنيدين أو غيرها من الأوصاف التي نطلقها عليهم في العادة.

عندما ترفض ابنتكم ترتيب غرفتها، في المرة القادمة، لا تتوتروا وتبدئوا باصدار الأحكام عليها. بل توقفوا واسألوا أنفسكم “لماذا رفضت ذلك؟” لماذا، ستفتح لكم الاحتمالات وتريكم العالم من وجهة نظرها لا من وجهة نظركم.

٣. إملئوا رصيد الحب باستمرار

يجب أن نحاذر من أن تتحول علاقتنا بأبنائنا إلى علاقة انتقاد دائم. من الضروري جدا لهم ولنا، أن تكون هناك أوقات نستمتع خلالها معهم. وأن نترك لهم المجال، ولو لدقائق معدودة خلال اليوم، ليستلموا القيادة ويقرروا ما يريدون عملهم معنا. هذه اللحظات من التواصل مهمة لبناء قدرتهم على التعاون معكم عندما تحتاجون فعلا لذلك.

العبوا مع أبنائكم، اتركوهم يحدثون بعضا من الفوضى، وشاركوهم. تواصلوا مع ذلك الطفل القابع بداخلكم. وثقوا أنكم إن جعلتم من ذلك عادة. فإنهم سيكونون سعيدين بترتيب الفوضى التي أحدثوها معكم بعد ذلك!

٤. إعتنوا بأنفسكم

فاقد الشئ لا يعطيه. بناء علاقات من الثقة والانسجام مع أبنائنا، تحتاج لطاقة وصبر وحوارات طويلة، وقدرة على تحليل المشكلات، وبناء مهارات الحوار وغيرها الكثير. وإذا ما كان الأبوين متوترين فإن قدرتهما على التواصل تتأثر بشكل كبير. ولاتكون لديهما أية طاقة للتطوير الذاتي وبناء المهارات، والانصات واستشفاف ما يحدث في عالم أطفالهم.

أفضل ما يمكنكم أن تفعلوه لأبنائكم هو اهتمامكم بذواتكم، والاستثمار في صحتكم النفسية ومهاراتكم التربوية.

إذا ما أعدنا تعريف دورنا كمرشدين وليس كمراقبين، وبدأنا بالنظر لأطفالنا بعين العطف والتفهم لا بعدسة النقد. فإننا سنستمتع أكثر بعلاقتنا معهم، وستكون فرص تعاونهم معنا أكبر. عندها ستكون لدينا جميع الحلول التي نحتاجها لنعدّهم كأشخاص مسؤولين، يقدرون أنفسهم والآخرين، وقادرين على مجابهة الضغوط والتوترات.