العقاب والمكافأة.. أحجار عثرة في طريق التنشئة السليمة

مشاركة المقال:

 يتكرر موضوع العقاب كثيراً في محادثاتي مع المربين. ويصاب الكثير منهم بالارتباك عندما أطرح فكرة التربية من دون عقاب. وهذا ما يدفعني لطرح السؤال التالي عليهم: “ما الذي يجعلكم تلجؤون لتطبيق عقابٍ ما على أطفالكم؟”ومن أكثر الأجوبة تكراراً عليّ عند طرح السؤال هي: إنّنا كآباء وأمهات نريد أن نخلقَ نموذجاً حسناً من أطفالنا، نموذجاً يعلَمُهم أن لأفعالهم عواقب يجب أن يتحمَّلوها ويكونوا مسؤولين عنها، لذلك نعاقبهم حين يخطئون كي يبتعدو عن ذلك السلوك السلبي ونكافئهم حين يقومون بأمر محمود فنكون قد منحناهم بذلك دفعةً قويةً للأمام.

 لكن في الحقيقة فإن هذه الفكرة مبنيةٌ للأسف على فهمٍ خاطئ لكيفية غرس القيم وتنميتها، فعلى الرغم من أنني أتفق مع أهمية أن يدرك الطفل أن للأفعال نتائج إلا أن المحفزات الخارجية ومن ضمنها العقاب والمكافأة لن تكسب أطفالكم ما تودن من قيم حميدة وفضائل.

الدوافع للسلوكيات الحميدة عند البالغين

دعوني أقوم في البداية بعملية مقاربةٍ للفكرة من زاوية رؤيتنا نحن كبالغين: لا شك أنكم لاحظتم أننا كثيراً ما نصادف في حياتنا اليومية مواقف نتعامل معها بفطرتنا الإنسانية وقيمنا المعنوية دون أن يكون هناك مكافآت مباشرة نجنيها أو ثناء ينهمر علينا بعدها أو لوم وعقاب يطالُنا في حال أهملنا القيام بها، أفعالٌ تفرضها علينا قيمنا الخاصة والتي نكون من خلالها موجَّهين بأفكارٍ ومبادئ أخلاقية نسعى من خلالها لجعل الواقع والحياة حولنا أفضل، ونتحرّك بدافعِ من تكاتف إنساني وحبٍّ لتحقيق أثرٍ إنساني يمتدُّ بعدنا طويلاً وفي قلوب من حولنا عميقاً.

أمثلة عن المواقف والدوافع القيمية لتصرفاتنا

قد تكون هذه أفعالاً بسيطة جداً لكنها ذات معنى سامٍ كأن يكون أحدنا ماراً في طريق ما ونجد شخصاً مقطوعاً على الطريق في يومٍ حار جداً فنقوم بتغيير طريقنا ونأخذ بعضاً من وقتنا لنزوِّده بالقليل من الماء.

أو أن نكون بحاجةٍ للتبضُّع وأمامنا خياران، نعلم أنّ أحدهما أرخص وسيكلّفنا مالاً أقل لكن الشركة المصنّعة مبنية على معايير سلبية كإيذاء البيئة بصناعتها أوتشغيل الأطفال وإساءة معاملتهم أو إساءة معاملة العمال بشكل عام، وبالمقابل الشركة الثانية أفضل بممارساتها الأخلاقية وحقوق العمال فيها والتعامل مع البيئة، فنقوم بالاتجاه  للشراء من الشركة الثانية وإن كنا سنتحمل تكلفة مادية أكبر انتصاراً لقيم أخلاقية نؤمن بها وتأدية لواجبنا في جعل هذا العالم مكاناً أفضل للعيش!

الحوافز الداخلية بوصلة أخلاقية 

وهذا مانطلق عليه المحفزات الداخلية وهو مصطلح يشير إلى الدوافع المتولده من عوامل داخلية مثل القيم والاهتمامات والاستمتاع بالنشاط نفسه.

من المهم ملاحظة أن المحفزات الداخلية ليست أمرا من السهل دائمًا تكوينه، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت والجهد لتحديد العوامل الأكثر تحفيزًا للفرد. ومع ذلك، فإن الجهد المبذول للقيام بذلك يمكن أن يكون يستحق كل هذا العناء.

فقد وجدت الأبحاث (للإطلاع على المصادر أدناه) أن المحفزات الداخلية تشكل دوافع أقوى للمشاركة في أي نشاط بشكل مستمر وطويل الأجل. كما أن الأشخاص الذين ينخرطون في أية مهمة نتيجة دوافع ومحفزات داخلية هم أكثر مثابرة وإبداعاً ويحققون مستويات أداء أعلى، كما أن لديهم القدرة على الاستمرار في مواجهة التحديات. 

تنمية سلوكيات الطفل وتهذيبها عملية طويلة الأمد وتراكمية

أعتقد أيضاً أن من المناسب أيضاً التذكير بأن العديد من العواقب والنتائج لخياراتنا هي أمور لن نلمس تأثيرها على المدى القريب، واللحظي، فقد تحتاج هذه النتائج لأمدٍ وأجيالٍ طويلة حتى تنبثق على أرض الواقع، ومن هنا تأتي عدم جدوى فكرة تربية أطفالنا على مبدأ المحفزات الخارجية المباشرة واللحظية سواء كانت إيجابيةً أو سلبيةً، لأننا بذلك نخلق نموذجاً فكرياً نفعياً لدى أطفالنا بدلاً من أن نطور لديهم بوصلة أخلاقية سليمة يهتدون بها في حياتهم وتعاملاتهم اليومية.

إننا كبشر كائنات مذهلة للغاية وخلاّقة وما يميّزنا هي تلك القدرة الرائعة على تعلّم الأشياء باستمرار وتكوين الشخصية وتدعيمها بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية، لكن هذا الأمر يستلزم منا كمربين مهارات مركبة ومتطورة أكثر لخلق دوافع داخلية قوية تشكّل بوصلة أخلاقية راسخة لدى أطفالنا.

وبالطبع صحيح أن المحفّزات الخارجية قد تٌلقي بعض الأعباء عن كاهلنا كمربّين وقد تحقّق لنا أهدافاً قصيرة الأمد لكنها في النهاية ستودي بنا إلى طرقٍ مسدودة بدون أن نستطيع بناء شخصيات قويةٍ لأطفالنا، وللأسف يمكننا أن نرى اليوم نتائج الاعتماد بشكل تام على الحوافز الخارجية في التنشئة فيما تمّ خلقه من أجيالٍ تتدافع فقط لتتلقّف المكافآت أينما وُجِدت وتتجنَّب ما أمكن العقاب بأشكاله المختلفة، فتكون هذه الآلية التي تسيّر حياتهم بأكملها، فهكذا أشخاص حتى وإن مرّوا بشخصٍ محتاجٍ على الطريق كما في المثال السابق فهم لن ينتبهوا لحاجته، لأنه ما من دافعٍ أخلاقي يحرِّكهم وما من مكافأة تنتظرهم إن قاموا بمساعدته. 

كيف نصحّح سلوكيات أطفالنا؟

الأمر يعتمد على نوعية البشر الذين نرغب بتنشئتهم، هل نود تنشئة أناسٍ يتقيّدون بالسرعة المطلوبة على الطرقات نظراً لعلمهم بوجود رادار يسجّل تجاوزاتهم أم أنهم يتقيّدون نظراً لوجود دافعٍ داخليّ واحترام لذواتهم ولقيمة الآخرين من حولهم وسلامتهم؟! فهل نحن نريد أن نبني شخصيات تركّز فقط ويدور تفكيرها في نطاق منفعتها الشخصية فأينما اتجهت تتجه هي وكذلك تريد تجنّب العقاب بشتى السبل أم نريد بناء شخصيات مجبولة بلبنة الاحترام والتعاطف والرحمة وغيرها من القيم الإنسانية التي تستلزم احترام النفس واحترام الآخرين؟

لقد قمتُ بالتكلّم عن الحوافز الخارجية ومقابلها الحوافز الداخلية أيضاً وبشكلٍ موسّع أكثر في برنامج “مفاتيح”، الذي يحوي مفاهيم أوسع من هذا النوع وأساسية، والتي تجعلنا نفهم سبب قيامنا في منهجية التنشئة عبر التواصل باقتراح الاستراتيجيات والأدوات التي تعتمد على الاحتواء، والتواصل، واستخدام الحزم الرحيم بدل التركيز على العقاب والعاقبة. يساعد هذا البرنامج الأشخاص المهتمين بفهم الأساسيات بشكل أبسط بعيداً عن الأسئلة الفلسفية والمعقدة. 

تجنّب مبدأ المحفزات يؤمّن للطفل مرونة عاطفية وفكرية

وأخيراً أود أن أتطرق لفكرةٍ هامة حول هذا الموضوع، ألا وهي أننا جميعاً نعيش في عالمٍ لا توجد فيه خيارات واضحة وصريحة دائماً، ولعلكم جميعاً لاحظتم ذلك بأنفسكم ومدى صعوبة الخيارات في كثير من المواقف التي اعترضتكم، فأغلب ما نواجه من أحداث ومواقف يكون مصطبغاً بشيءٍ من الرمادية وعدم الوضوح.

وإن المستقبل يحمل في طياته المزيد من هذه الرمادية التي تتصاعدٍ يوماً بعد يوم مع تعقد المجتمعات وتداخلها، مما يعني أن المقدار الذي سيتعرَّض له أطفالنا من الرمادية أكبر مما نواجه نحن اليوم؛ مما يحتّم علينا كمربين إدراك حقيقة أن إعداد الأطفال على مبدأ مثل مبدأ العقاب والثواب سيجعلهم يستصعبون كثيراً التعامل مع مثل هذه الواقع واتخاذ القرارات على هذا الأساس، فالقرارات التي سيتخذونها ستتطلّب إشراك أكثر من جانب ومنها الجانب المعنوي والأخلاقي، ولذلك فإننا ينبغي ألا نجعلهم أسرى لهاجس المكافآت والعقاب، والذي سيقيّدهم ويعيق كثيراً قدرتهم على عيش حياةٍ أخلاقية ومتّزنة.

* المصادر

  • Deci, E. L., & Ryan, R. M. (1985). Intrinsic motivation and self-determination in human behaviour. New York: Plenum.)
  • Deci, E. L., Koestner, R., & Ryan, R. M. (1999). A meta-analytic review of experiments examining the effects of extrinsic rewards on intrinsic motivation. Psychological Bulletin, 125(6), 627-668).
  • Amabile, T. M., Hill, K. G., Hennessey, B. A., & Tighe, E. M. (1994). The work preference inventory: Assessing intrinsic and extrinsic motivational orientations. Journal of Personality and Social Psychology, 66(5), 950-967).
  • Sheldon, K. M., & Elliot, A. J. (1999). Goal striving, need satisfaction, and longitudinal well-being: The self-concordance model. Journal of Personality and Social Psychology, 76(3), 482-497).

إقرأ المزيد

مقالاتنا الأخرى

نحن وأطفالنا والصيف

مع بداية الصيف، تبدأالأسئلة الأزلية من قبيل مالذي سافعله مع أطفالي؟ وغالباً ماتنحصر الإجابات في الخيارات الثلاث التالية التسجيل في نواد صيفية وضع جدول مكثف

عقلية النمو

أول من تحدث عن عقلية النمو هي أستاذة علم نفس من جامعة ستانفورد تدعى كارول دويك. وعقلية النمو تعني ببساطة أننا يمكن أن نتعلم أي

أن أصبح أماً (الانتقال إلى الأمومة)

(Matrescence) أو (الانتقال إلى الأمومة) كلمة مشابهة لمصطلح adolescence) ) الذي يعني مرحلة المراهقة، وتحديداً الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد. في هذه المرحلة يمر الإنسان في تغيرات

سجل في المحاضرة المجّانية
"دليلك إلى رحلة الوعي الوالدي"