الثواب والعقاب

مشاركة المقال:

سنتكلم عن الطريقة التي تنظر بها مناهج التنشئة الواعية إلى موضوع الثواب والعقاب، وهذا قد يكون من أكبر التحديات التي تواجه أي شخص يقرر الانتقال إلى أي من هذه المناهج.

قلنا من قبل إن التنشئة الواعية مظلة واسعة يقع تحتها عدد من المناهج التي تتشارك في الأفكار الأساسية وتختلف في التطبيقات. ترفض هذه المناهج كلها عمومًا مبدأ الثواب والعقاب التقليدي، ويعود هذا إلى أن مفهوم العلاقة بين المربين والأبناء يعتمد بصورة أساس على خلق علاقة ثقة واحترام متبادل. تؤكد هذه المناهج أن عملية التهذيب يجب أن تجري بطريقة ممتلئة بالحب، من دون أن يتضمن الأمر أي نوع من أنواع التهديد أو الإهانة أو الحرمان، أو يسبب أي نوع من أنواع الأذى النفسي أو الجسدي أو الخوف؛ على العكس، نعتقد أنه كلما شعر الطفل بالأمان والحب في علاقته مع المربي ارتفعت عنده الرغبة في التعاون، وكلما شعر بالحب وتقدير مشاعره أصغى إلى المربي بصورة أفضل عندما يطلب منه طلباً معيناً أو يضع له ضوابط.

يجد كثير من الناس أن تطبيق هذا المنهج يشكل تحدياً كبيراً على المستوى العملي، ولأنهم يجدون الأمر صعباً يرونه عديم الجدوى ويتهمون المنهج أنه مجرد نظريات وفلسفة فارغة. من السهولة بمكان بالنسبة إلى هؤلاء الذين يقتنعون بالفكرة أن يشعروا بالضياع في أثناء التطبيق ومواجهة بعض التحديات، الأمر الذي يدفعهم إلى الاستسلام بسرعة.

لا يعني ما سبق أن الأمر بهذه الصعوبة، بل يعني أننا غير معتادين على هذه الفكرة، وأننا اعتدنا وقتًا طويلًا لأسباب لا يتسع المجال لذكرها على أسلوب الثواب والعقاب حتى وصلنا إلى مرحلة لا نستطيع فيها تخيل التربية من دونهما.

وهذا هو السب الذي يجعلنا نسمع أسئلة متكررة مثل: “هل سيكون طفلي مدللاً ؟” “كيف سينفذ طلباتي إذًا؟” “كيف سيتعلم الانضباط؟” لا يعني عدم استخدام أسلوب العقاب والثواب على الإطلاق تخلينا عن مسؤولية تعليم أطفالنا والمحافظة على سلامتهم وأمانهم وتوجيههم بشأن الخطأ والصواب؛ فمن غير الممكن أن يتخلى المربي عن هذه المسؤولية. لكن في الواقع هناك طرق بديلة أكثر فعالية؛ لن تحقق استجابة سريعة في الوقت الحاضر فحسب، لكنها سوف تساعدنا أيضًا في بناء شخصيات أطفالنا على المدى الطويل، كما ستطور لديهم قدرة أكبر على تحليل المواقف واتخاذ القرارات السليمة.

عندما أربي طفلًا على نظام المكافأة أوالعقاب، فأنا أعلمه العمل من أجل المكافأة، وهكذا سيكمل صحن عشائه من أجل الحلويات، ويدرس من أجل الهدية؛ لكنه لكلما كبر في العمر ازدادت مطالبه وأصبح من الصعب التحكم بالأمر. أما عندما أربي الطفل على الخوف من العقاب أو الحرمان من الأشياء التي يحبها، فأنا أنمي فيه قيمة سيئة للغاية، ألا وهي محاولته الإفلات من العقاب أو الاختباء بعيدًا، وهكذا ستصبح قدراته العقلية مشغولة في محاولات التستر على الخطأ بدلاً من تحليل الخطأ والصواب.

في الحلقات الدراسية وورش العمل التي نقيمها مع (تنشئة) أسأل الحضور: هل تريدون من أطفالكم أن يصبحوا بالغين ملتزمين بالسرعة المحددة في الطريق خوفًا من الكاميرات والشرطة، أم بسببت امتلاكهم تقديرًا للذات وإحساسًا عاليًا بالمسؤولية ورغبتهم في تجنب إيذاء من حولهم؟ تخيلوا معي أن الحياة شارع، وأنه يفترض بنا يومياً أن نتخذ قراراً أخلاقياً، ونوضع في امتحانات ومواجهة مباشرة مع قيمنا الخاصة! ما هو إذًا نوع الشخصية التي تستطيع تجاوز هذه المواقف بصورة أخلاقية سليمة؟ هل هي الشخصية التي اعتادت على القيادة بالسرعة المحددة خوفاً من الشرطي، أم الشخصية التي لديها إحساس بالمسؤولية وقيم سليمة؟ حسناً، في حال سلك أحدنا طريقاً خالياً من الكاميرات من دون أب أو أم أو معلم من شأنه أن يفرض عليه العقوبات، إلى ماذا سيستند في اتخاذ قراره في حال كان معتاداً على المحفزات الخارجية، أو كان يسعى على الدوام إلى الحصول على مكاسب؟

هناك في الحياة أوقات قد نتخذ فيها مواقف لا تفيدنا بصورة شخصية، وقد تسبب لنا الخسارات أيضاً؛ لكننا نتخذها انتصاراً لقيم أو أخلاقيات معينة. فما هي الوسيلة الملائمة لغرس هذه الصفات في أطفالنا؟ هل سيقودنا نظام المكافأة كالملصقات أو النقاط، أم نظام العقاب وبث الخوف في قلوبهم، إلى ذلك؟

تعد تربية إنسان منضبط ذاتيًا ويتمتع بحكمة داخلية عملية طويلة وتراكمية، ولا تتحقق إلا من خلال تاريخ طويل من التواصل معه، أحترمه خلاله وأقدم له عبر سلوكاتي قدوة ومثالًا في التفاصيل الصغيرة والكبيرة.

تجدون مزيدًا من المعلومات في فيديو عنوانه (كيف تساعدنا منهجيات التنشئة الواعية على بناء الصلابة الداخلية لدى أبناءنا)، إضافة إلى ذلك، نحن نتدرب على بناء وعي عالٍ ومهارات محددة في حلقاتنا الدراسية.

حسن، في حال اقتنعنا بهذا الكلام وعملنا على بناء علاقة واعية مبنية على أسس سليمة، علينا أن نفكر كيف نواجه التحديات اليومية، وما هي البدائل المتوفرة، وكيف نستطيع القيام بدورنا بوصفنا مربين فاعلين.

قبل كل شيء علينا أن نوجه لأنفسنا هذه الأسئلة: هل أحتاج إلى وضع ضابط أم لا؟ هل تتناسب طلباتنا مع أعمار أطفالنا ونموهم؟ هل هذا أحد الأمور التي سأصفها بالخطرة وأحذر طفلي منها؟ هل من الممكن أن يؤذي الطفل نفسه أو الآخرين في هذا الموقف؟

يجب أن أسأل نفسي هذه الأسئلة وأتزود بمعلومات حول المراحل العمرية المختلفة. في الواقع يمكن وصف جزء كبير من توقعاتنا وطلباتنا بأنها غير منطقية وليس لها سبب! إذا كنت لا أستطيع الإجابة عن سؤال (لماذا)، يتوجب علي أن أمتنع عن طلب هذا الشيء! يحتاج هذا الطفل الصغير إلى اكتشاف العالم من حوله والمغامرة وارتكاب الأخطاء وفعل أشياء خطرة يتعلم منها. من الطبيعي أن يسبب أطفالك الإزعاج؛ أن يقفزوا ويكسروا ويخربوا، فهذا جزء من فضولهم الطبيعي وطاقتهم الرائعة لاكتشاف العالم من حولهم. وفي حال فعلوا العكس ولم يقوموا بهذه الأشياء عندها يجب أن ينتابنا قلق من وجود شيء غير طبيعي! لذلك علينا أن نكون واقعيين في طلباتنا وأن نمنح أطفالنا مساحة للاكتشاف.

تذكر بعض الدراسات أن الطفل يحتاج إلى الشعور بالقبول والموافقة بكلمة (نعم) على خمسة أفعال كي يستطيع التعامل بسلاسة مع (لا) واحدة .لا تحرقوا بطاقة (لا) واستعملوها بحكمة وعند الضرورة فقط. أعطوهم مساحة واسعة للاستكشاف خلال اليوم لكي تكسبوا تعاونهم في الأشياء المهمة فعلاً مثل ( غسل الأسنان، موعد النوم، حل الواجبات)، فهذا يعطيهم رصيداً يسحبون منه لتلبية طلباتكم.

مثال:

طفل يمسك كأساً زجاجياً ويضرب به الطاولة، ما المشكلة في ذلك؟ قد ينكسر الكأس! سبب مقنع. الآن سأذهب باتجاه الطفل وأعطيه شيئاً آخر يلعب به وأخبره بهدوء: “هذا الكأس سينكسر ويؤذيك، تفضل هذه الملعقة الخشبية.” لنفترض أن الطفل كان يضرب الطاولة بلعبة بلاستيكية لا بكأس زجاجي وما من خطر على سلامته، لكنني أشعر بالانزعاج من الصوت! في هذه الحال من الأفضل أن أخرج من الغرفة وأعطيه المجال لإكمال تجربته الفيزيائية. هذا الطفل يجرب ويتساءل في عقله الصغير: “هل سيخرج الصوت نفسه في كل مرة أضرب فيها؟” علينا إذًا أن نعطيهم مساحة خاصة للاكتشاف والتعلم.

والآن لنفترض أن الطفل نفسه رفض تبديل الكأس ودخل في نوبة بكاء، أو كان لدي طفل أصغر نائم أخشى أن يستيقظ بسبب الأصوات لذلك اقترحت لعبة بديلة؛ الأمر الذي أدى إلى دخوله في نوبة غضب، ماذا يجب أن أفعل؟

إذا كان لدي بالفعل سبب مقنع ومهم ويتطلب مني وضع حد هنا ماذا أفعل؟

هناك مفهوم جميل يسمى الحزم، يخلط بعضنا بينه وبين القسوة في أغلب الأحيان. يتمثل الحزم في أنه إذا كنت بالفعل أملك سببًا مقنعًا يتطلب مني إيقاف الضرب على الطاولة، ليس علي إلا أن آخذ الكأس من يده بهدوء من دون صراخ أو غضب وأقول له: (لا)، وأسمح له بالبكاء وتفريغ المشاعر، وأعطيه الوقت الكافي كي يتقبل كلمة (لا). لكن عليّ في الوقت نفسه ألا أترك الطفل يبكي وأخرج من المكان، بل يجب أن أمسح على ظهره وأتعاطف معه عبر الحديث إلى أن يهدأ، وأقدّر أني منعته من شيء يحبه أو شيء كان مندمجاً معه.

نطلق على الأسلوب الآخر الذي نستطيع استخدامه مع الأطفال الأكبر قليلاً أو عندما لا يكون هناك خطر مباشر على الطفل (العواقب الطبيعية). مثلًا: ابنتي لا تحب ترتيب غرفتها وسئمتُ من تكرار طلبي أن ترتب غرفتها.ما علي فعله هو أن أتركها تتحمل نتائج تصرفها، فإذا أضاعت أشياءها عليها أن تجدها بنفسها، وإذا اتسخت ملابسها عليها أن تتعامل مع الأمر.

 إذًا ما نقوله هنا إنه يجب التركيز في الأصل على بناء علاقة فيها ثقة واحترام بدلًا من أسلوب المكافأة والعقاب، من خلال الآليات والمفاهيم التي ذكرنا بعضها في الفيديوهات السابقة وتدربنا عليها في حلقاتنا الدراسية.

ثانيًا،لا بد أن نكون واقعيين في طلباتنا ونعطي الأطفال مساحة واسعة من الحرية خلال اليوم لأننا سنحتاج إلى تعاونهم في تنفيذ الاشياء الضرورية، كما يجب أن نقتصد في استخدام كلمة (لا) ونقدر أثرها فيهم، وأن نتصف بالحزم واللطف في الوقت نفسه، ونمنحهم الفرصة ليعبروا عن مشاعرهم.

إقرأ المزيد

مقالاتنا الأخرى

أن أصبح أماً (الانتقال إلى الأمومة)

(Matrescence) أو (الانتقال إلى الأمومة) كلمة مشابهة لمصطلح adolescence) ) الذي يعني مرحلة المراهقة، وتحديداً الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد. في هذه المرحلة يمر الإنسان في تغيرات

المشاحنات بين الأخوة

يعد حل المشاكل بين الإخوة من أكثر المواضيع تحدياً وصعوبة في التربية، وكالعادة سنبدأ ببعض المفاهيم الأساسية: 1- أطفالنا صالحون وخيّرون بالفطرة، ونحن أيضاً كائنات

المشاعر والدموع

يولد الأطفال كتلة من المشاعر؛ إذ تكون أحاسيسهم وضحكاتهم وحماسهم بالأشياء وفرحهم بالحياة مدعاة لفرحنا، وتنعكس علينا وتضفي على حياتنا الدفء والسعادة. من السهل بمكان

ماهي الوالدية الواعية؟

من أين أتت، وكيف تطورت، وما الفرق بينها وبين المفاهيم المتعارف عليها (الثواب والعقاب، كرسي العقاب، الملصقات)، وغيرها. بدأت القصة قبل أكثر من مائة عام

سجل في المحاضرة المجّانية
"دليلك إلى رحلة الوعي الوالدي"